الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
206
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
دعوة الحق أن لا تذهب باطلا حتى عند من لم يصدقوا بها ولم يتبعوها ، فإنها تلفت عقولهم إلى فرض صدقها أو الاستعداد إلى دفعها ، وكل ذلك يثير حقيقتها ويشيع دراستها . وكم من معرضين عن دعوة حق ما وسعهم إلا التحفز لشأنها والإفاقة من غفلتهم عنها . وكذلك كان شأن المشركين حين سمعوا دعوة القرآن إذ أخذوا يتدبرون وسائل مقاومتها ونقضها والتفهم في معانيها لإيجاد دفعها ، كحال العاصي بن وائل قال لخباب بن الأرت حين تقاضاه أجر سيف صنعه فقال له : لا أقضيكه حتى تكفر بمحمد . فقال خباب : لا أكفر به حتى يميتك اللّه ثم يحييك . فقال العاصي له : إذا أحياني اللّه بعد موتي فسيكون لي مال فأقضيك منه . فنزل فيه قوله تعالى : أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً [ مريم : 77 ] . وهذا من سوء فهمه لمعنى البعث وتوهمه أنه يعاد لما كان حاله في الدنيا من أهل ومال . والاستخفاء : الاختفاء ، فالسين والتاء فيه للتأكيد مثل استجاب واستأخر . وجملة : أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ إلخ يجوز أن تكون إتماما لجملة أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ متصلة بها فيكون حرف أَلا الثاني تأكيدا لنظيره الذي في الجملة قبله لزيادة تحقيق الخبر ، فيتعلق ظرف ( حين ) بفعل يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ ويتنازعه مع فعل يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وتكون الحالة الموصوفة حالة واحدة مركبة من ثني الصدور واستغشاء الثياب . والاستغشاء : التغشي بما يغشي ، أي يستر ، فالسين والتاء فيه للتأكيد مثل قوله : وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ [ نوح : 7 ] ، مثل استجاب . وزيادة وَما يُعْلِنُونَ تصريح بما فهم من الكلام السابق لدفع توهم علمه بالخفيات دون الظاهر . وجملة : إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ نتيجة وتعليل للجملة قبله ، أي يعلم سرهم وجهرهم لأنه شديد العلم بالخفي في النفوس وهو يعلم الجهر بالأولى . فذات الصدور صفة لمحذوف يعلم من السياق من قوله عَلِيمٌ أي الأشياء التي هي صاحبة الصدور . وكلمة ( ذات ) مؤنث ( ذو ) يتوصل بها إلى الوصف بأسماء الأجناس ، وقد تقدم الكلام على ذلك عند قوله تعالى : إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ [ الأنفال : 43 ] وقوله : وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ في سورة الأنفال [ 1 ] .